الجنيد البغدادي

163

رسائل الجنيد

وهذا نعت حاله فكان مما قصد له في التأويل على معنى الصفة الأولى التي تبين لصاحبها خفي إغماضه وطوى ما في نفسه إذ جعل العلم ذريعة وسببا إلى ذلك ، فلبس حليته وتحمل بلبوسه وأظهر بالتأويل أثرا العلم ودعا إليه ونصب نفسه للشهرة به ليعلم الناس ما علم منه ، فلما عرف موضعه ومكانه وسمع منه وأقبل الناس عليه نحوه استحسن اجتماع العوام عليه وثناء الجاهلين بما ليس فيه فقوي عليه بذلك سلطان التأويل وأوهم نفسه حظ اجتماعهم وانبساط ثنائهم وكثرة تعظيمهم وحسن قبولهم له بما ظهر من نفسه وتحسن به مما يعلم اللّه تعالى منه خلاف ما أسره وأضمره فيما « 1 » استوى له ذلك عند العوام والجهلة . وكثرة حمد الحامدين بالغلط والغفلة مال إلى ما في نفسه من أخذ العوض على ما نشر من علمه ورضي بما تعجله من ذلك ثوابا لعلمه وصار بائعا للعلم بالثمن اليسير والخطر القليل ورضي بالدنيا عوضا من الآخرة ومن ثواب اللّه تعالى على الأعمال الصالحة في جملة من ذمه اللّه تعالى في كتابه وقص علينا من بيانه على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، قال اللّه عز وجل : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ [ آل عمران : 187 ] وقال اللّه تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ [ الأعراف : 169 ] ، فذمهم اللّه تعالى وقص علينا في كتابه وصرح بذلك إلى العقلاء من عباده وبينه بيانا محكما قويا لئلا يكون لمحتج في ذلك حجة ولا لقائل فيه مساغ ولا مدافعة . ثم إن اللّه تعالى قص علينا قصص الأنبياء عليهم السلام وأخبرنا بما نعتهم به وبما أخذ عليهم من ترك الدنيا والتشمير إلى الآخرة وألا يأخذوا على شيء من ذلك ثمنا ولا يريدون عليه أجرا ولأن حق العلم وحق تأديته إلى الخلق ألا يكون لشيء منه جزاء إلا ثواب اللّه عز وجل عليه والجنة التي جعلها دار من اتقاه وأطاعه .

--> ( 1 ) في ط : فلما .